العلاقات العربية الإفريقية . . الضرورة وحتمية التعاون
أكد الدكتور يوسف الحسن المدير العام السابق لمعهد الإمارات الدبلوماسي في كلمة ألقاها في احتفال جامعة الدول العربية والاتحاد الإفريقي في القاهرة يوم امس بمناسبة “يوم إفريقيا” على ضرورة بناء جسور جديدة لعبور المسافة التي اتسعت بين العرب والأفارقة خلال العقود الثلاثة الماضية، وقال إن لبناء التعاون العربي الإفريقي ثمناً، لكن لعدم البناء ثمناً باهظاً يحتسب بميزان الهدر التاريخي والاستراتيجي، وأوضح ان من بين اسباب تعطيل التعاون العربي الإفريقي كان ضمور المشروع الاندماجي المغاربي وأزمات الحزام الصحراوي، وأشار الى ان صورة نمطية سلبية عن العرب لا تزال سائدة في كتابات نخب إفريقية .
يشار إلى ان هذا الاحتفال يقام بمناسبة تأسيس منظمة الوحدة الافريقية العام ،1963 أي قبل 46 عاما، وتالياً نص الكلمة:
يشرفني ويسعدني أن أشارك في هذا الاحتفال بيوم إفريقيا، قادم من أقصى نقطة في الشرق العربي على ضفة الخليج العربي، وهي فرصة أغتنمها لأتوجه بالشكر والامتنان للاتحاد الإفريقي ولجامعة الدول العربية، وللصديقين السفيرين مفتاح الزوّام، وسمير حسني على دعوتهما الكريمة للتحدث أمامكم في هذه المناسبة .
وإذا كانت دعوتكم مبعث شرف وسعادة لي، فهي في ذات اللحظة مسؤولية، تدعوني أن أتحدث بصراحة وأمانة، عن مسار التعاون العربي الإفريقي في لحظات التألق، ولحظات البطالة في آن .
دعوني أبدأ وأقول إننا نحتاج الآن إلى بناء جسور جديدة لعبور المسافة التي اتسعت بيننا كعرب وأفارقة خلال العقود الثلاثة الماضية .
في الربع الثالث من القرن العشرين، نجحنا عرباً وأفارقة في الإمساك باللحظة، واجتزنا متعاونين منعطفات مهمة، من الاستعمار إلى التحرر، ومن التضامن إلى التعاون، ومن دون التوسع في الحديث عن التاريخ، نكتفي باستحضار محطات مفصلية في سيرة التعاون، بدءاً من احتضان عدد من العواصم العربية لحركات الاستقلال والتحرر الإفريقية، مروراً بقيام منظمة الوحدة الإفريقية في عام ،1963 والعون المادي والسياسي والعسكري السخي للدفاع عن الشعوب الإفريقية وتحقيق استقلالها ودعم احتياجاتها في البناء والنهوض، والتنسيق المشترك في المحافل الدولية .
البدايات
ودخل التعاون العربي الإفريقي مرحلة جديدة في أواخر عقد الستينات، ليأخذ مداه بعد حرب أكتوبر/تشرين الأول 379_D حينما قرر مؤتمر القمة العربي السادس في الجزائر (نوفمبر/تشرين الثاني 1973)، بحضور رئيس جمهورية زائير ممثلاً لمنظمة الوحدة الإفريقية، وتعبيراً عن تضامن الأفارقة مع العرب في كفاحهم ضد الصهيونية والتوسع “الإسرائيلي”، قطع جميع العلاقات مع جنوب إفريقيا وروديسيا والبرتغال، وتطبيق حظر تام بترولي على الدول الثلاث المذكورة، ودعم وتوسيع التعاون الاقتصادي والثقافي مع إفريقيا، وإنشاء “المصرف العربي للتنمية الاقتصادية في إفريقيا”، حيث اكتتبت فيه جميع الدول العربية، بما فيها فلسطين .
وبعدها بشهرين، قرر وزراء البترول العرب في اجتماعهم بالقاهرة (يناير 1974)، إنشاء “الصندوق العربي لتقديم القروض للدول الإفريقية”، والذي ألحق في ما بعد بالمصرف العربي، وهي قروض ميسرة طويلة المدى، وبمدة سماح عشر سنوات، وبفائدة رمزية لا تزيد على 1%، وكان يتولى أمين عام الجامعة العربية التعاقد مع الدول الإفريقية المقترضة .
كما قرر مؤتمر القمة العربي السابع قيام “الصندوق العربي للمعونة الفنية” ابتداءً من إبريل/نيسان 1975 .
وشهدت الفترة من 1974 حتى ،1977 حركة نشطة ومثمرة، عربياً وإفريقياً، كتزويد الدول الإفريقية بحاجاتها الفعلية من النفط، وتقديم المساعدات الفنية، والمساعدات الأخرى العاجلة للدول الإفريقية التي ستحصل على استقلالها، والتضامن مع إفريقيا سياسياً وعسكرياً لتحرير كل شبر من أراضيها، وبخاصة في زيمبابوي وناميبيا، والقضاء التام على التمييز العنصري في جنوب إفريقيا . ويقرر مؤتمر القمة العربي السابع بالرياض (أكتوبر/تشرين الأول 1974)، إيفاد بعثة تساعية من وزراء خارجية الدول العربية لزيارة الدول الإفريقية لتعزيز التعاون المشترك . ويبدأ بعدها وخلال عامي 1975 و1976 وضع آلية لمأسسة هذا التعاون ووضع خطط وبرامج وأطر، بدءا من تشكيل “لجنة الاثني عشر” العربية، مقابل لجنة مماثلة إفريقية، واجتماعات وزارية مشتركة في داكار وزامبيا وأديس أبابا والقاهرة، والتي مهدت الطريق أمام عقد أول مؤتمر للقمة العربية الإفريقية في السابع من مارس/آذار 1977 .
كشاهد ومشارك، في ذلك المشهد التاريخي قبل 32 عاماً . . على بعد مئات من الأمتار، من مكاننا هذا، وفي مقر مبنى الاتحاد الاشتراكي، انعقد “مؤتمر وزراء خارجية الدول العربية والإفريقية” ما بين 3 و6 من مارس/آذار 1977 للتحضير لمؤتمر القمة الأول، ووضع اللمسات الأخيرة على معالم التعاون بين المجموعتين .
واجه مؤتمر الوزراء في بدايته، غيوماً كثيرة، فلم يكن هناك تصور إفريقي مشترك للتعاون مع العرب، وفي الوقت نفسه وجدت دول الخليج العربية وهي في معظمها دول حديثة الاستقلال ونامية، أنها وحدها ستتحمل العبء الأكبر من مسؤوليات الدعم المالي لإفريقيا .
وحينما راجعت هذه الدول، قوائم تسديد الالتزامات نحو مؤسسات التعاون العربي الإفريقي الجماعي والثنائي، لم تجد إلاّ أسماءها وحدها تقريباً، وبخاصة حينما تقدمت تنزانيا بطلب نحو 200 .2 مليون دولار لتمويل مشروعات . وتحدثت بعض الوفود الإفريقية عما أصاب إفريقيا من جراء رفع أسعار النفط . لكن تبين أن ما تستهلكه إفريقيا سنوياً في تلك الفترة لا يزيد عن عشرة ملايين طن لا يشكل النفط العربي المستورد منها سوى عشرة في المائة فقط .
كانت اللحظات حرجة، وغلب عليها الانفعال، لكن جهود المرحوم محمود رياض، الأمين العام لجامعة الدول العربية الأسبق، ووزير الخارجية المصرية الأسبق المرحوم اسماعيل فهمي نجحت في تذليل هذه العقبات . وأدرك الطرفان العربي والإفريقي بأن تعاونهما يتم في إطار دول نامية، وليبدأ مؤتمر القمة بإعلانات والتزامات مالية عربية أكثر حتى من توقعات الأفارقة أنفسهم، وبخاصة حينما أعلنت المملكة العربية السعودية عن تقديمها بليون دولار دعماً للتنمية في إفريقيا، وتبعتها الإمارات والكويت وقطر في نفس الاتجاه .
هذا المشهد يصلح مفتاحاً لفهم أنماط التفكير التي هيمنت على مسار التعاون في فترة تاريخية معينة .
صحيح أن هذا المشهد، كان تاريخياً ومشهوداً، وتولدت عنه وثائق أساسية، وأجهزة وبرامج عمل، كالإعلان السياسي، وبرامج التعاون الاقتصادي والمالي ومجموعات عمل مختصة في الطاقة والتعدين والزراعة والنقل والتجارة والمال والموارد المائية والتعليم والثقافة .
إلاّ أن هذا المشهد من أسف لم يعمر طويلاً، على مستوى العمل المؤسسي المشترك، حيث تجمد الحوار طوال عامي ،79 ،1980 إثر خلاف عربي إفريقي، حول وضعية مصر بعد اتفاقيات كامب ديفيد مع “إسرائيل”، وعضويتها مع الجانب الإفريقي في اللجنة الدائمة للتعاون العربي الإفريقي .
لكن هذا العامل الطارئ، كان يمكن لإدارة “السياسة العربية”، أن تتجاوز ملابساته بشأن عزل مصر أو مقاطعتها، لتواصل المجموعة العربية تعاونها المؤسسي الجماعي مع الفضاء الإفريقي، على غرار ما نجحت فيه إدارة “السياسة الإفريقية” في أشد حالات الصراع الإفريقي- الإفريقي، حينما تجاوزت إشكاليات النظام العنصري في زامبيا، والتحالفات الإثيوبية والأنجولية مع السوفييت، والاقتتال التنزاني الأوغندي، فلم تتأجل دورية قمة، ولم تتعطل أعمال لجنة تحرير المستعمرات .
إلاّ أنه من الواضح الآن، أننا كعرب انشغلنا بالطارئ، وما أكثره، طوال عقدي الثمانينات والتسعينات، على حساب المسائل الكبرى الاستراتيجية، والتي تحولت استحقاقاتها مؤخراً إلى مديونيات معقدة وباهضة .
وقد يكون من المفيد والضروري للمشتغلين في السياسة والاقتصاد والثقافة والفكر، استيعاب الدروس والعبر، ونحن نتطلع كأفارقة وعرب، إلى الحيلولة دون انسداد التاريخ، وانحباس الجغرافيا السياسية .
إن ثلاثة عقود مضت، كافية لاختبار هذه الدروس وإجراء المراجعة . فلبناء التعاون العربي الإفريقي ثمن، مثلما هناك ضرائب لعدم البناء . لكن هذه الضرائب لا تقدر مادياً فحسب، بل تحتسب بميزان الهدر التاريخي والحضاري .
عوامل كثيرة أسهمت في تجميد التعاون الجماعي المؤسسي، والوصول به إلى الأهداف المرجوة . من بينها غياب التصور المشترك لأولويات التعاون ومستلزماته، والتحديد الدقيق لمسؤولية أطرافه وأدوارهم في تطويره، وضمان متابعته، فضلاً عن غياب الجهد المؤسسي الشعبي والمدني في إطار هذا التعاون . حيث هيمن رجال المال الرسميون على شؤون التعاون بدلاً من الاقتصادي والسياسي والثقافي والمهني .
من ناحية أخرى، فقد خضع عمل أجهزة التعاون العربي الإفريقي للخلافات الإقليمية داخل الجامعة ومنظمة الوحدة الإفريقية، ولقوى الاختراق والجذب من النظام الدولي .
أما التعاون الجماعي، فقد اتسم بالشكلية في معظم الأحيان، وبقرارات سياسية ظرفية وبخاصة عند التعامل مع الجانبين المالي والاقتصادي، بعيداً عن “الجدوى الاقتصادية” والجدوى السياسية المستقبلية .
ولعل الجانب الإفريقي قد استسهل هذا الوضع في البداية، إلاّ أنه في النهاية، فضّل “العلاقة الثنائية” لأنها أكثر نفعاً وأكثر سهولة من وجهة نظر البعض .
ولا شك أن فترة الميلاد والتأسيس للتعاون العربي الإفريقي، قد تزامنت مع مرحلة جديدة في الحرب الباردة، وخلالها تأججت نزاعات عربية عربية، وحدثت اختراقات إقليمية ودولية، ونشبت حروب وصراعات على المسرحين العربي والإفريقي، وتشابكت خطوط النزاعات وتداخلت، وحفرت “إسرائيل” في الجسمين العربي والإفريقي كثيراً، وضاعت السمة الخاصة والعلامة المميزة التي كانت هدف وغاية التعاون العربي الإفريقي، في ظلال وهج فسفوري وأضواء عالمية مسلطة على الريع النفطي لدول الخليج العربية فقط، تحريضاً وتشويهاً واستنزافاً في آن .
وجاء ضمور المشروع “الاندماجي المغاربي” وضعفه، وتحول ما يسمى “بالحزام الصحراوي” إلى حزام أزمات وعزلة واشتباك عربي إفريقي، لتكتمل دائرة عطلة التعاون العربي الإفريقي، واستعصاء تطويره .
الشراكة الاستراتيجية
إنه لمن الأهمية بمكان، إعادة صياغة رؤية جديدة للعلاقات العربية الإفريقية، و وضع هذه العلاقات في منزلة الخيار الاستراتيجي والشراكة الإستراتيجية، وفي إطار اتفاقي جماعي، يعزز أهداف التعاون ويعظم مكاسبه المتبادلة .
لا يكفي أن يظل بند التعاون العربي الإفريقي بنداً دائماً على جدول أعمال القمم العربية ونظامها الإقليمي، وتكرار التأكيد على مواصلة الجهود لإزالة العوائق التي تعترض سبيل تطوير هذا التعاون، وانتظار انعقاد المؤتمر الثاني لقمة عربية إفريقية، أو الترحيب بإنشاء “منتدى مشترك دوري للتنمية” بين الجامعة والاتحاد الإفريقي .
إن هناك حاجة ماسة لمراجعة الأسس والأهداف والآليات التي تنظم هذه العلاقة، باتجاه الارتقاء بها إلى شراكة استراتيجية عربية إفريقية، وهي مصلحة مشتركة، جذورها روابط وأسس تذهب بعيداً في التاريخ وممتدة إلى المستقبل عبر تحديات وفرص غير مسبوقة . ولنتذكر بأن ربع سكان القارة الإفريقية هم عرب، وثلثا العرب هم أفارقة، فضلاً عن التمازج الإثني والحضاري واللغوي والديني عبر العصور .
لنعترف بأن هناك منغصات وعوائق وقناطر مقطوعة، أقلها ضعف إدراك أهمية هذا التعاون الجماعي، ومداومة محاولات مسخه وعرقلته، واستهداف مكوناته الإنسانية والحضارية والثقافية المشتركة منذ الفترة الكولونيالية حتى الآن، والتي أسهمت في تكوين صورة نمطية مفادها “إن أفريقيا لا تصبح ضمن دائرة اهتمام العرب، إلاّ حين يكونون في حاجة إليها”، والحال إن إحساساً من هذا النوع من قبل بعض الأفارقة، وجد تفاعلاً في العديد من الكتابات في إفريقيا وأوروبا، حيث تستخدم هذه الصور النمطية ذريعة لتعميق الشرخ بين العرب والأفارقة .
ليس ثمة شك، بأن عوامل كثيرة أخرى، أسهمت في تشكيل قسمات هذه الصورة النمطية، وليست الحقبة المعاصرة وحدها المسؤولة عنها . وربما هناك موروث معقد، مازال يسهم في الحيلولة دون تبديد عناصر الإعاقة بين الطرفين .
لكن الرؤية الموضوعية وحدها هي التي تنقض هذه الصورة النمطية . وإلاّ كيف نفسر الحركة الاقتصادية والثقافية التي تنامت في ممالك إفريقيا وتخومها، والتي لعبت فيها تجارة القوافل العربية وطريق “الخط العربي” دوراً أساسياً؟ وكيف نفسر استمرار المساعدات العربية المالية والإنمائية، الثنائية حتى الآن، رغم تجمد المؤسسات الجماعية للتعاون العربي الإفريقي . ويشير التقرير الاقتصادي العربي الموحد الصادر مؤخراً إلى أن إجمالي ما قدمته الدول العربية المانحة خلال الفترة من 1970 ،2007 بلغ نحو 132 بليون دولار، قدمت منها دول الخليج العربية نحو 125 بليون دولار، أي ما يعادل 7 .94% من إجمالي المساعدات الإنمائية . وبلغ إجمالي المساعدات الإنمائية العربية في عام 2007 لوحده، نحو 2 .3 بليون دولار، كانت حصة الدول الإفريقية غير العربية فيها نحو 2 .20% . وتميّزت المساعدات العربية الإنمائية (متوسط نسبتها إلى الدخل القومي الإجمالي 4 .0%)، عن المساعدات الدولية (متوسط نسبتها لا يزيد عن 1 .0%)، كونها تعتمد على مصدر ناضب هو النفط، علاوة على كونها مقدمة من دول نامية إلى دول نامية أخرى، وبشروط ميسرة للغاية، مثل انخفاض الفائدة، وطول فترتي السماح والسداد، وارتفاع عنصر المنحة فيها والتي تتراوح مابين 40 و45% . أما المساعدات الثنائية فتصل نسبة المنحة فيها مابين 80% ومائة بالمائة . وأهم مصادر هذا العون، السعودية والإمارات والكويت وقطر .
لكن، من المدهش حقاً، أن الذين يرسمون اليوم خرائط الفقر، حيث يحتشد الفقراء، في بقاع معينة من هذا الكوكب، هم أحياناً من منتجيه، لأن الفقر ليس نبتاً شيطانياً . كما أن مصطلحات الجغرافيا السياسية خصوصاً في العالم العربي وإفريقيا، لم تكن نشأتها معزولة عن التمدد الكولونيالي والاستشراق والاستعمار الناعم الحديث . ويبدو أن النشأة الأولى لهذه المصطلحات يراد إعادة إنتاجها في هذه الأزمنة المعاصرة، فبعد مصطلحات “الزنجية” و”القارة السوداء”، هناك اليوم “إفريقيا جنوب الصحراء”، وهناك “الشرق الأوسط وشمال إفريقيا”، وهناك “المتوسطية”، وغيرها . وكلها تسميات ذات حمولات سياسية بامتياز، لها دوافعها ومزالقها . وبيت القصيد، خلخلة النسيج القومي العربي وتفتيت الكتلة العربية، وإعادة تركيبها وصياغتها، خالية من الذاكرة التاريخية والثقافة الجامعة واللغة والمصير المشترك . وفي إطار سياقات جديدة، تكون الجامعة العربية خارجها .
يجري كل ذلك، في مرحلة من انعدام الوزن، ومن خلل عميق في المعادلات الإقليمية، وبيئة دولية مأزومة ومشدودة الأوتار . وحيث يجري الاحتكام إلى معايير السوق والتجارة ولصالح الإضافات المصطنعة، وهي معايير لا تكفي لإعادة رسم الخرائط والتضاريس السياسية .
إفريقيا اليوم
إفريقيا اليوم، ليست هي إفريقيا قبل 32 عاماً، وكذلك حال المجموعة العربية . مياه كثيرة جرت في أنهارنا وبحورنا وخلجاننا، وفي العالم من حولنا، وصرنا في زمن تاريخي مختلف . إلاّ أن منطقتنا على الخريطة ما زالت في قلب العالم ومفترق طرقه الاستراتيجية البرية والجوية والبحرية، ومصدراً أساسياً للموارد الاستراتيجية .
في إفريقيا، تجددت دماء التجمع الإفريقي، وتوفرت له تنظيمات إقليمية فرعية مثل الايكواسECOWAS ، والكومبسا، وتجمع الساحل والصحراء، والمجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا CEDEAO، وهناك اليوم قرابة أربعة عشر تجمعاً اقتصادياً إقليمياً موزعة على عموم جهات القارة، يمكن الدخول معها في مشاريع مدروسة وواقعية وواضحة .
المناخ الإفريقي اليوم، أكثر شرعية، وأكثر ديمقراطية، وأكثر خبرة وحكمة . إفريقيا الأمس، كانت تنتظر المساعدات في غياب الخطط المشتركة . اليوم تتقدم إفريقيا إلى الكتل الدولية الكبرى، بخطة إفريقية للشراكة من أجل التنمية وإزالة الفقر والسعي على طريق التنمية المستدامة، والمشاركة الفعالة في السوق والعلاقات الدولية . وقد تقدمت إلى المؤتمر الأمريكي الإفريقي في واشنطن، والمؤتمر الفرنسي الإفريقي في باريس، والأوروبي الإفريقي، وربما الصيني والياباني والهندي والتركي وغيرها . كلها قمم ومؤسسات تبحث في التنمية والطاقة والمياه والبيئة والهجرة القسرية والعنف والفقر، وقضايا أخرى تشغل بال كل المجتمعات .
الاتحاد الإفريقي اليوم، مدعم بمشروعات كبرى، كمجلس الأمن والسلام، والاتحاد البرلماني، والسوق المشتركة . وقد مارس عرب وأفارقة أدواراً إيجابية وصحية لولادة هذا الاتحاد، لكن هذا الوليد مازال عرضة لعواصف الاختراق الخارجي، وفي إطار التنافس الدولي الحاد على الموارد والمواقع والنفوذ، والسعي لدفع إفريقيا نحو قلب عمليات الإدماج في السوق العالمي، وفق قواعد العولمة وشروطها . وهي عولمة حولتها الميديا إلى أيقونة، وفي ظلها جرى تعميم الفقر، وبث الشقاء وبائياً بحيث لا ينجو منه حتى من فرّوا بجلودهم خارج هذا المدار . فمليار ونصف المليار إنسان في كوكبنا يعيشون على أقل من دولار واحد في اليوم، ويعيش ثلاثة مليارات إنسان على أقل من دولارين في اليوم .
صحيح أن هناك جهوداً عربية وإفريقية ملموسة، لتأهيل اقتصادياتها بغية الاندماج في منظومات إقليمية ودولية . لكن ثمارها ستظل معزولة، بسبب افتقارها لقوة الدفع الجماعية المشتركة . وسنظل عرباً وأفارقة قليلي الحظ في النظام العالمي المعولم التنافسي الراهن .
إن الحقائق الضاغطة في عالم اليوم، تستدعي التعاون وتبادل الخبرة والمنفعة . لقد أتيحت للعرب والأفارقة قبل ثلاثة عقود، فرصة ذهبية للتعاون المؤسسي . لكن هذه الفرصة لم تأخذ مداها الصحيح والطبيعي، وسرعان ما تجمدت أو ذبلت مؤسسات مشتركة لضعف الاهتمام وضآلة الإمكانيات، ومنها الصندوق العربي للمعونة الفنية للدول الإفريقية . بل إن مؤسسة مثل “المعهد الثقافي العربي الإفريقي” في باماكو، والذي تشرفت برئاسة مجلسه العلمي منذ تأسيسه في عام ،2002 سرعان ما تم الإجهاز عليه بعد أربع سنوات من ولادته، تحت ذريعة استبداله بمركز للدراسات الاستراتيجية، لم يولد حتى الآن .
لأكثر من عشرين عاماً، كانت مدة الحمل للمعهد الثقافي العربي الإفريقي، وهو هدف كبير تحدثت عنه وثائق أول مؤتمر قمة عربية إفريقية، لكن يبدو أن عناصر الثقافة والمعرفة والإعلام كانت غائبة ميدانياً وأخشى أن تكون ممتدة في التخطيط والاستراتيجية والتفكير في الفضاءين العربي والإفريقي .
بقيت كلمة أخيرة، تتعلق بالاتحاد المغاربي العربي، حيث تقع عليه مسؤوليات كبرى في إعادة الروح للتعاون العربي الإفريقي، وبرؤية جديدة لبناء شبكة المصالح المشتركة، وتحقيق حلم الفضاء الواحد في التضامن والتعاون والشراكة .
إن الحاجة العربية والإفريقية، في أقصى ضروراتها، لتسريع بناء وتعزيز الاتحاد المغاربي، وتفعيل مؤسساته وهياكله، من أجل أن يكون همزة وصل وساحة ربط، ورافداً يعزز كفتنا العربية الإفريقية في ميزان علاقاتنا مع القوى الفاعلة في البيئة الدولية، مع التذكير بأن أوروبا تسعى جاهدة لجعل المنطقة المغاربية، عازلاً أمنياً بينها وبين إفريقيا ما وراء الصحراء، لمواجهة الهجرة القسرية والتوترات الأمنية .
كما تفرض علينا في مجلس التعاون لدول الخليج العربية، تحديات التنمية والأمن والاستقرار، توسيع التمثيل الدبلوماسي مع إفريقيا، وتنسيق الجهود الثنائية الإنمائية في إفريقيا، وتعزيز دور الدبلوماسية العربية الموازية، عبر تسهيل وتشجيع تبادل الزيارات بين مؤسسات المجتمع المدني والجامعات والهيئات البرلمانية والقطاع الخاص، وبخاصة مع الجوار في شرق إفريقيا . حيث لعرب الخليج والجزيرة العربية والجنوب العربي روابط تاريخية وثقافية وحضارية مع الساحل الشرقي الإفريقي تعود إلى ما قبل ظهور الإسلام . وعاشت إفريقيا في جناحها الشرقي خلال العصر العربي مرحلة كبيرة من الازدهار، وتأسست فيها ممالك ومدن ذات إشعاع فكري وثقافي متمازج مع مراكز مشعة في بغداد والقاهرة ودمشق والقيروان . وواجه عرب الخليج والأفارقة غزوة البرتغاليين صفاً واحداً، وتمكنوا معاً من طردها بعد استعمار كريه وقاسٍ دام أكثر من مائتي عام .
ولاشك أن الخبرة العربية في هذه الأيام، تقف أما خيارات صعبة، ربما لا تعانيها الخبرة الإفريقية . وقد مضت إفريقيا بسلاسة أكبر، بعد مكابدة ومعاناة في تطوير عملها، بعد أن انخرط في عملية التطوير أصحاب القرار والفكر السياسي معاً، وتوصلوا إلى حقائق تنظيمية، ولعل التجربة الإفريقية هي الأجدى لدراستها والتمعن فيها، بعد أن أطلنا الحديث والتغني بتجربة الوحدة الأوروبية .
لكن ما نخشاه أن يتواصل هذا الافتراق العربي الإفريقي، وأن يتنامى، وربما عندها لن نقدر لاحقاً على استدراك وترميم ما فرطنا جميعاً في تحصينه ورعايته، عرباً وأفارقة .
دعونا في يوم إفريقيا، لا نعلي الأسوار، ولا نوغل في التحديق بعيداً في عوالم تبهرنا إضاءتها، لكننا في نهاية المطاف، سنبدو وكأننا نعدو خلف ظلالنا لنمتطيها .
|
| ||
| | ||
|
| ||
|
| ||
|
| ||